اسد حيدر
124
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
وكان مجحفا في جباية الأموال ، فمن ذلك أنه كتب إلى عامله على خراج مصر - وهو أسامة بن زيد التنوخي - : احلب الدر حتى ينقطع ، واحلب الدم حتى ينصرم . قال الكندي : فذلك أول شدة دخلت على أهل مصر . وقد أعجب سليمان بفعل أسامة وقال : هذا أسامة لا يرتشي دينارا ولا درهما . فقال له عمر بن عبد العزيز : أنا أدلك على من هو شر من أسامة ولا يرتشي دينارا ولا درهما . فقال سليمان : ومن هو ؟ قال : هو عدو اللّه إبليس . فغضب سليمان وقام من مجلسه « 1 » . وقدم أسامة على سليمان بما اجتمع عنده من الخراج وقال : يا أمير المؤمنين إني ما جئتك حتى نهكت الرعية وجهدت ، فإن رأيت أن ترفق بها وترفه عليها ، وتخفف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادنا فافعل ، فإنه يستدرك ذلك في العام المقبل . فقال له سليمان : هبلتك أمك ، احلب الدر فإذا انقطع فاحلب الدم « 2 » . وغضب سليمان على أعظم قائد فتح الفتوحات العظيمة في بلاد المغرب وهو موسى بن نصير ، وكان من رجالات الكوفة العسكريين ، وزهادها المؤمنين ! ممن عرف بولائه لأهل البيت واستقامته ، ولعل من هذا كان سخط سليمان عليه بعد تلك الأعمال الجليلة والفتوحات العظيمة كما هو مشهور . وقد أهمل كثير من المؤرخين عظيم بلائه وجهاده في نشر الإسلام ، واتساع رقعته ، وأشادوا بذكر مولاه طارق بن زياد الذي كان تحت إمرته ويسير على مخططاته العسكرية . كانت لموسى هذا مواقف مشهورة ، ففتح بلاد المغرب ، وغنم أموالا طائلة وكان يوجه ولده عبد العزيز ، ومولاه طارق بن زياد لافتتاح المدن ، ولكن سليمان وجد على موسى فقتل ولده عبد العزيز الذي افتتح في إمارته مدائن كثيرة ، وكان عبد العزيز متصفا بالزهد والصلاح ولكن بعض المؤرخين حاكوا حوله تهمة لا تتفق مع ما يتصف به من الاستقامة وحسن السيرة ، وكان قتله سنة 98 ه - . قال ابن الأثير : ويعدون ذلك من زلات سليمان .
--> ( 1 ) النجوم الزاهرة ج 1 ص 232 . ( 2 ) الجهشياري ص 32 .